تواجه شركات المقاولات المصرية صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتها من حديد التسليح، بعدما خفضت مصانع الحديد المحلية حصص التوزيع بنسب تتراوح بين 20% و35%، وألغت البيع الآجل لصالح السداد النقدي الفوري، وفقًا لأربعة مصادر عاملة في القطاع.
وأفادت صحيفة «المنصة» بأن نقص المعروض وتشديد شروط الائتمان يفاقمان أزمة السيولة لدى شركات المقاولات، ويزيدان الضغوط المالية على القطاع، بما يهدد بتأخير إنجاز المشروعات العقارية وتعطيل تسليم الوحدات للمشترين.
وأرجعت المصادر أزمة نقص الحديد إلى الانخفاض الحاد في واردات خام البيليت المستورد، الذي يُعد المادة الخام الأساسية لإنتاج حديد التسليح. وجاء هذا التراجع عقب قرار الدولة المصرية في أبريل الماضي فرض رسوم مكافحة إغراق على واردات البيليت لمدة ثلاث سنوات، بالتزامن مع تقلبات سعر الصرف وتراجع قيمة الجنيه، ما دفع أسعار حديد التسليح المحلي إلى الارتفاع من نحو 35 ألف جنيه للطن في مطلع العام الجاري إلى 40 ألف جنيه.
تقلبات سعر الصرف تدفع المصانع إلى تغيير سياسات البيع
وقال أحد وكلاء شركات الحديد المعتمدين بمنطقة التجمع الخامس في القاهرة إن تراجع الجنيه أمام الدولار والزيادات المتواصلة في الأسعار أدخلا سوق الحديد في حالة من الاضطراب، موضحًا أن عدم استقرار الأسعار دفع المصانع إلى إلغاء قوائم الأسعار الدورية، والمطالبة بالسداد الفوري بدلًا من أنظمة الدفع الآجل التي اعتادت شركات المقاولات التعامل بها.
وأضاف الوكيل، الذي تحدث للمنصة شريطة عدم الكشف عن هويته: «أصبحت تقلبات سعر الصرف تنعكس مباشرة على قرارات المصانع، في ظل صعوبة تثبيت الأسعار لفترات طويلة، وهو ما أثر بدوره على حركة البيع والتوزيع في السوق».
وسجل الدولار مستويات قياسية غير مسبوقة في تعاملات البنوك المحلية خلال الأسبوع الماضي، متجاوزًا حاجز 56 جنيهًا للمرة الأولى، قبل أن يتراجع قليلًا في وقت سابق من الأسبوع الجاري.
وأكد أحد موزعي الحديد بمدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة وجود نقص حاد في الكميات المتاحة للتوريد، موضحًا أن المنتجين باتوا يربطون حصص الموزعين بالسداد النقدي عند الاستلام، بدلًا من التسهيلات الائتمانية التي كانت سائدة قبل صدمات سعر الصرف الأخيرة، بالتزامن مع تراجع ملحوظ في معدلات الإنتاج لدى عدد من المصانع.
وأشار الموزع إلى امتداد نقص المواد الخام إلى قطاع إنتاج البيليت، بعدما أوقفت شركتا حديد عز والسويس للصلب توريد خام البيليت إلى مصانع الدرفلة المحلية، ما أدى إلى تراجع إنتاج المصانع التي تعتمد على هذه الإمدادات الوسيطة.
نقص البيليت يضغط على الإنتاج والحكومة تبحث الأزمة
وفي محاولة لمعالجة الاختناقات التي تواجه الصناعة، عقد وزير الصناعة خالد هاشم ووزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد اجتماعين موسعين خلال أكتوبر الماضي، بمشاركة مسؤولين تنفيذيين يمثلون مصانع الحديد المتكاملة وشبه المتكاملة ومصانع الدرفلة.
وركز الاجتماعان على أزمة نقص خام البيليت، وصعوبات تدبير احتياجات المصانع من المواد الخام، ومعدلات الإنتاج الأساسية لدى مصانع الحديد المتكاملة.
وقال أحد أعضاء مجلس إدارة الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء إن الاتحاد تلقى شكاوى عديدة بشأن نقص الحديد في مواقع تنفيذ المشروعات، محذرًا من أن استمرار عجز الإمدادات سيؤدي إلى تأخر تسليم المشروعات إلى المطورين العقاريين، وهو ما سينعكس بدوره على مواعيد تسليم الوحدات للمشترين النهائيين.
وأضاف المسؤول أن التحول المفاجئ إلى نظام السداد النقدي الفوري يفرض أعباء إضافية على شركات المقاولات، إذ يجبرها على توفير مبالغ ضخمة مقدمًا لشراء المواد الخام، بدلًا من الاستفادة من أنظمة الدفع المؤجل، مشيرًا إلى أن أزمة السيولة تضرب بصورة أكبر المشروعات الكبرى التي تتطلب توريد المواد وتنفيذ الأعمال على مراحل.
من جانبه، قال رئيس إحدى شركات المقاولات إن شركته تواجه أسعار بيع فعلية في السوق تتجاوز بكثير الأسعار المعلنة رسميًا، ما يصعّب عليها شراء المواد الخام وفقًا للأسعار الاسترشادية المعتمدة.
وحذر رئيس الشركة من أن استمرار اضطرابات الإمدادات ونقص الكميات لدى الموزعين يهددان الجداول الزمنية لتنفيذ المشروعات، في حال عجز شركات المقاولات عن تدبير احتياجاتها من مواد البناء في المواعيد المحددة.
أزمة الحديد تهدد بتفاقم تأخر تسليم الوحدات العقارية
وتأتي اضطرابات الإمدادات الأخيرة في وقت يعاني فيه قطاع العقارات بالفعل من تأخيرات واسعة في تسليم الوحدات السكنية.
وسبق أن كشف عضو بلجنة متابعة مشروعات وزارة الإسكان للمنصة أن مراجعة أولية رصدت نحو 450 مطورًا عقاريًا متأخرًا عن مواعيد التسليم المتفق عليها مع العملاء، وذلك ضمن مراجعة مستمرة لنحو 15 ألف مشروع عقاري أو مرحلة تطوير قيد التنفيذ.
وجاءت هذه المراجعة عقب توجيهات أصدرها رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي في أغسطس الماضي بتشكيل لجنة تفتيش على مستوى المحافظات، للتحقق من الالتزام بالجداول الزمنية لتسليم المشروعات، ومتابعة تنفيذ المطورين العقاريين تعاقداتهم مع المشترين، وتقييم أعمال البنية التحتية، وفرض عقوبات على الشركات المخالفة.
ويثير تراجع المعروض من حديد التسليح، بالتزامن مع ارتفاع أسعاره وتشديد شروط السداد، مخاوف من اتساع دائرة تعثر المشروعات العقارية، بما قد يضيف مزيدًا من الضغوط على شركات المقاولات والمطورين، ويهدد بتفاقم أزمة تأخر تسليم الوحدات السكنية للعملاء.
https://almanassa.com/en/news/34737

